شهدت مواقع التواصل الاجتماعي، حالة من الجدل الواسع عقب تداول مقاطع مصوّرة تُظهر ممارسة ما يُعرف بـ"البشعة" في بعض قرى الريف، باعتبارها وسيلة لكشف الكاذب من الصادق، عبر تعريض المتهم لإيذاء جسدي، يتمثل في ملامسة لسانه لأداة معدنية مُحمّاة بالنار، وهي عادة قديمة أثارت رفضًا واسعًا من المؤسسات الدينية.
وفي هذا السياق، أكدت المؤسسات الدينية الرسمية، وعلى رأسها الأزهر الشريف، ودار الإفتاء المصرية، أن هذه الممارسة محرّمة شرعًا بشكل قاطع، ووصفتها بأنها جريمة تتنافى مع مقاصد الشريعة الإسلامية.
من جانبه، أوضح الشيخ عبدالله حامد، عضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف، أن "البشعة”"، تُعد من أخطر الممارسات العرفية التي تخرج عن إطار القانون والقضاء، وتمثل نوعًا من الانتقام خارج سلطة الدولة، مشيرًا إلى أنها تتخذ صورًا متعددة، من بينها إجبار المتهم على تعريض جسده للأذى لاختبار صدقه، وهو أمر لا يمت للشرع بصلة.
وأضاف أن هذه الممارسة تقوم على الخرافة والترهيب النفسي، وتمثل اعتداءً صريحًا على جسد الإنسان وكرامته وحريته، مؤكدًا أنها صورة من صور التعذيب المرفوض شرعًا، لما تنطوي عليه من إيذاء بدني ونفسي يخالف ما قررته الشريعة من تكريم الإنسان.
اقرأ أيضا|دار الإفتاء تحذِّر : إيذاء النفس باسم إختبار الصداقة محرَّم شرعًا
وشدد عضو لجنة الفتوى على أن "البشعة" محرّمة باتفاق الفقهاء قديمًا وحديثًا، ولا يُعتد بأي نتائج تترتب عليها، مستندًا في ذلك إلى قواعد شرعية قطعية، منها تحريم الإضرار بالإنسان، ورفض الإكراه على الاعتراف، فضلًا عن التأكيد على أن إثبات الحقوق يكون فقط عبر الأدلة الشرعية المعتبرة.
وبيّن أن الفصل في الخصومات من اختصاص القضاء المختص، وفق قواعد واضحة أرساها الشرع، أبرزها: "البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر"، محذرًا من استبدال هذه القواعد الراسخة بممارسات عشوائية تُهدر العدالة وتعرض الأفراد للخطر.
وأكد الشيخ عبدالله حامد أن هذه العادة لا أصل لها في الشريعة الإسلامية، ولا يجوز التعامل بها بأي حال من الأحوال، لما تمثله من انتهاك لحرمة النفس التي حرّم الله الاعتداء عليها إلا بالحق.
وفي ختام تصريحاته، أشاد ببيان دار الإفتاء المصرية، الذي شدد على أن الشريعة الإسلامية جاءت لصون النفس البشرية وحماية كرامة الإنسان، ورفضت كافة صور التعذيب والإيذاء، محذرًا من الانسياق وراء الموروثات الخاطئة، والتي تتستر بثوب تحقيق العدالة، بينما هي في حقيقتها ممارسات باطلة ومحرّمة.



